"أبو عزات".. ذاكرة قديمة لا تخون وطنها
بصوتهِ العالي المتشحرج، إستقبلنا الحاج "ابو عزات" البالغ من العمر مئة
وعشرة أعوام، من قرية بيت عنان الواقعة في الشمال الغربي لمدينة القدس
المحتلة . "ابو عزات" حاله كحال بقية المسنين، هُجرَ من قريته عجنجول
-الواقعة شمال بيت نوبا- خلال النكبة في العالم ثمانية وأربعين، تاركاً خلفه
ستين دونماً من المزروعات القمحية، لم يحصدها حتى الآن، بعد أن
هاجمتهم عصابات الهاجاناه آنذاك، و ما زال محصوله في إنتظارِ عودته .
حدثنا "ابو عزات" - واسمه الحاج (خليل ذيب عيسى) - عن قرية بيت
عنان التي أصر على إفتخاره بأنها القرية الوحيدة من قرى القدس التي
تحوي ثلاث خرب منفصلة عنها، إلا أن الإحتلال صادر خربها وبنى
مكانها حدائق و مستوطنات و معسكرات تدريب . حدثنا الحاج الخليل عن
حصة والده في الأراضي التي يمتلكها والتي توازي ستين دونماً، حيث
كانوا يزرعونها ويبيعون محصولها في مدينتي اللد و الرملة . حافظ
ابوعزات على إرث عائلته في الزراعة حتى عدة سنوات مضت، وهو
يزرع محصوله ويحرث أرضه على حماره القوي كما وصفه، إلا أن أبو
عزات قال والحزن يعتلي جبينه (كبرت على هذا التعب فقام أبنائي بسرقة
"ابو عزات" حدثنا عن أبنائه الثمانية الذين لم يتركوه لوهلة، تزوج منهم
سبعة، وبقيت واحدة من بناته عندهُ، لتعتني به وتكرس نفسها لخدمة والدها
البالغ من العمر قرن وعقد. وقد حدثتنا عن ذلك قائلة: (أبي يحتاج إلى من
يعتني به، وأنا أخذت على نفسي عهداً أن أبقى معه ، وهو الآن بصحة جيدة
تمكنه الذهاب إلى المسجد دون مساعدة أحد في كل يوم جمعة ، كما
الحمار وبيعه، حتى لا يتعبني الاعتناء به)
يستطيع صعود درج المنزل وحده).
في الطابق الأول من منزله القديم، يوجد عشرة أغنام يعتني بها وتشكل
مصدر رزقه، يربيها ليبيعها تارة و يصنع الجبن من حليبها تارة أخرى .
وعن ذلك يتحدث أصغر أبنائه محمد قائلاً : ( يفضل أبي أن يعتمد على
نفسه، وهو يطعمنا مما يصنع ،ويردد جملته المعتادة : لا خير في أمةٍ لا
تأكل مما تزرع) ويضيف قائلاً : (أبي لا يعاني من أي مرض، فهو ينتقي
طعامه جيداً، ويتجنب الطعام الغير مفيد)
وخلال حديث"أبو عزات" عن المزروعات والأراضي التي تركوها خلفهم
بعد تهجيرهم من قرية عجنجول، مرَّ بنا صديقه الذي يجالسه بشكلٍ شبه
يومي، وهو أستاذ متقاعد كان يدرس اللغة العربية، حيث اعرب عن فرحه
قائلأ: ( إن ذاكرة ابو عزات قوية جداً، فقد قمنا بتأريخ بعضاً من تاريخ
قرية بيت عنان من بعض مسني البلدة و كان "أبو عزات" من بينهم. كما
كان له دور في فض شجار على حدود قطعة أرضٍ بين عائلتين، وكانت
وعن دور المؤسسات، قالَ رئيس جمعية النهضة الريفية لمنطقة شمال
غرب القدس السيد "محمد عياش" (إن هذه الفئة من كبار السن، هم تاريخ
البلاد، وهم مثال لمن صمدوا في وجه الإحتلال الصهيوني ومن قبله
الإنتداب البريطاني، وما زالوا مرابطين في فلسطين). يضيف قائلاً : (نحن
كمؤسسة قمنا بتقديم كبش خاروف محسن من أجل تحسين نسل أغنامه و
الإستفادة منها لتحسين عائدات ثروته الحيوانية، وما نقدمه هو شيء بسيط
شهادة "أبو عزات" كافية لترسيم الحد ووقف الشجار).
مقارنة بما يقدمه "أبو عزات" لبلده وأهلها.)
إن قصة الحاج خليل عيسى ليست كقصص الآخرين، فحديثه يعجز القلم
عن خط حكايته مهما أستلَ بعنايةٍ باهرة. وتخجل الأوراق أن يدون إسمه
عليها ، وترى في عيونه إيماناً بأن أرضه ستعود إليه ويعود إليها. وأن
عنصرية جدران الإحتلال زائلة، ليعود أبنائه لزراعة أرضهم ولو بعد
حين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق